ابن أبي الحديد

11

شرح نهج البلاغة

قلت : إن بنى عمومتي من بنى خؤلتك كثير ، فأيهم تعنى ؟ قال : أعني عليا لا غيره . فقلت : لا والله يا أمير المؤمنين ما أعلم منه إلا خيرا ولا أعرف له إلا حسنا . قال : والله بالحري أن يستر دونك ما يظهره لغيرك ، ويقبض عنك ما ينبسط به إلى سواك . قال : ورمينا بعمار بن ياسر ، فسلم فرددت عليه سلامه ، ثم قال : من معك ؟ قلت : أمير المؤمنين عثمان ، قال : نعم ، وسلم بكنيته ، ولم يسلم عليه بالخلافة ، فرد عليه ، ثم قال عمار : ما الذي كنتم فيه ، فقد سمعت ذروا ( 1 ) منه ؟ قلت : هو ما سمعت ، فقال عمار : رب مظلوم غافل ، وظالم متجاهل ! قال عثمان : أما إنك من شنائنا وأتباعهم ، وأيم الله ، إن اليد عليك لمنبسطة ، وإن السبيل إليك لسهلة ، ولولا إيثار العافية ، ولم الشعث لزجر تك زجرة تكفى ما مضى ، وتمنع ما بقي . فقال عمار : والله ما أعتذر من حبى عليا ، وما اليد بمنبسطة ، ولا السبيل بسهلة ، إني لازم حجة ، ومقيم على سنة ، وأما إيثارك العافية ولم الشعث ، فلازم ذلك وأما زجري فأمسك عنه ، فقد كفاك معلمي تعليمي . فقال عثمان : أما والله إنك ما علمت من أعوان الشر الحاضين عليه ، الخذلة عند الخير ، والمثبطين عنه . فقال عمار : مهلا يا عثمان ، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يصفني بغير ذلك ، قال عثمان : ومتى ؟ قال : يوم دخلت عليه منصرفه عن الجمعة ، وليس عنده غيرك ، وقد ألقى ثيابه ، وقعد في فضله ( 2 ) فقبلت صدره ونحره وجبهته ، فقال : " يا عمار ، إنك لتحبنا وإنا لنحبك ، وإنك لمن الأعوان على الخير المثبطين عن الشر " . فقال عثمان : أجل ولكنك غيرت وبدلت . قال : فرفع عمار يده يدعو ، وقال : أمن يا بن عباس ، اللهم من غير فغير به ! ثلاث مرات . قال : ودخلنا المسجد ، فأهوى عمار إلى مصلاه ، ومضيت مع عثمان إلى القبلة ،

--> ( 1 ) الذرو : الطرف من القول . ( 2 ) الفضل : الثوب يلبسه الرجل في بيته .